ابن ميثم البحراني
58
شرح نهج البلاغة
الرّجل وإن كان ذا مال عن عشيرته ، وقوله : عباد اللَّه إنّ من أحبّ عباد اللَّه إليه عبدا أعانه اللَّه على نفسه ، فلو أسقطت إنّ في هذه المواضع لزالت المناسبة الَّتي كانت بين الجملتين معها ، واعلم أنّك متى أسقطت إنّ من الجملة الثانية فإن كانت إنّما ذكرت لتعليل الحكم في الجملة الأولى فلا بدّ أن يعوّض منها الفاء كقوله « زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ » الفائدة الثانية - إنّك تجد لدخولها على ضمير الشأن المعقّب بالجملة الشرطية وغيرها من الحسن والمزيّة ما لم تجده عند عدمها كقوله تعالى « إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ ويَصْبِرْ » وقول عليّ عليه السّلام أيّها الناس إنّه لا يستغني الرجل كما ذكرناه . الفائدة الثالثة - إنّها تهيّىء النكرة لأن يحدث عنها كقوله عليه السّلام : إنّ من أحبّ عباد اللَّه إلى اللَّه عبدا كما مرّ ولو أسقطتها لسقطت الحسن والبلاغة وقد يسقط المعنى أصلا كما لو أسقطتها من قول الشاعر : إنّ شواء ونشوة وخبب البازل الأمون . الفائدة الرابعة - إذا دخلت على الجملة فقد تغنى عن الخبر كقولك إنّ مالا وإنّ ولدا على تقدير إنّ لهم مالا وكقول الأعشى . إنّ محلا وإنّ مرتحلا * وإنّ في السفر إذ مضوا مهلا والحقّ أنّها لتأكيد النسبة وإذا كان الخبر تامّا ليس للمخاطب ظنّ أو وهم في خلافه فلا حاجة إلى أنّ هناك ولذلك تزداد حسنا إذا كان الخبر أمرا يبعد مثله ، وقد يجمع مع اللام للتأكيد في خبرها إذا كانت في جواب المنكَّر لشدّة الحاجة هناك إلى التأكيد . البحث الثاني في فائدة إنّما - اتّفق جمهور النحاة على أنّها للحصر وهو المفهوم منها مثاله قول علي عليه السّلام : وإنّما سميّت الشبهة شبهة لأنّها تشبه الحقّ ، وكقوله عليه السّلام : إنّا لم نحكم الرجال وإنّما حكمنا القرآن ، وهذا القرآن إنّما هو خطَّة مستور بين الدفّتين لا ينطق بلسان وإنّما ينطق عنه الرجال ، ومراده بالحصر في هذه الصور ظاهر ، وقال بعضهم : إنّها ليست للحصر محتجّا بقوله تعالى « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ » ( 1 ) وبقوله « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » ( 2 ) مع أنّ الإجماع على أنّ من لم يوجل من ذكر اللَّه قد يكون مؤمنا ، وأنّ الأخوّة غير منحصرة في المؤمنين ، والجواب أنّ منشأ الشكّ هو
--> ( 1 ) 8 - 2 ( 2 ) 49 - 10